محمد طاهر الكردي
409
التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم
ثم أوصلوا الماء من هذا البازان إلى أعلى مكة أي إلى جهة بستان بنونة المذكور ، وهنا التقى هذا الماء الوارد من عين نعمان من عرفات بالماء الوارد من عين حنين فصارا يجريان معا من مكان بستان بنونة في قناة واحدة ومجرى واحد حتى يدخلا إلى بطن مكة المشرفة أكثر اللّه خيرها وبركاتها . فكان وصول الماء إلى مكة من بئر زبيدة في أواخر ذي القعدة سنة ( 979 ) تسع وسبعين وتسعمائة هجرية ، أي أن هذا العمل الجبار وشق الجبال والصخور والأحجار دام عشر سنوات تماما وكان ذلك اليوم يوما مشهودا وعيدا عظيما وقد عمل قاضي القضاة السيد حسين الحسيني المذكور احتفالا كبيرا ووليمة عظيمة في بستانه في الأبطح دعا فيه خلقا كثيرا من العلماء والأعيان والأكابر وغيرهم وذبح من الغنم والإبل والشياه عددا وفيرا وتصدق كثيرا على الفقراء والمساكين . ثم أرسل البشائر العظمى إلى السلطان وإلى « فاطمة خانم سلطان » فأنعمت عليه وعلى غيره الإنعامات الوافرة وعملت خيرات وصدقات كثيرة شكرا على ما أنعم اللّه تعالى عليها ، من إيصال هذه العين إلى البلدة الطاهرة « مكة » على نفقتها الخاصة . قال العلامة القطبي في تاريخه عن مكة ، وكان رحمه اللّه تعالى حاضرا وقت عمل إيصال الماء : إن الأمير إبراهيم الذي كان قائما بأمر العين ، صرف مقدار خمسمائة ألف دينار ذهبا تقريبا حتى حفر وقطع ألف ذراع . اه . فعليه تكون النفقات التي صرفت في إيصال الماء من بئر زبيدة إلى أن وصل إلى بستان بنونة أي إلى أن اتصل ماء نعمان بماء حنين نحو واحد مليون دينار ذهبا وليس ذلك بقليل . كما أن شق الجبال والصخور القوية وحفر الأرض إلى عمق خمسين ذراعا لمسافة أكثر من كيلو واحدة ليس من السهولة واليسر في زمن ليس فيه أدوات كهربائية ولا آلات ميكانيكية ، بل كان تكسير الجبال والصخور بطريقة بدائية ، بإيقاد الحطب ليلا ونهارا حتى لقد ذكر الإمام القطبي في تاريخ مكة أنهم ثابروا على إيقاد الحطب على الجبال والصخور لشق طريق للماء إلى أن فرغ الحطب من جبال مكة فصار يجلب من المسافات البعيدة وغلا سعره وضاق الناس بذلك . اه . وقد قدمنا تفصيل كل ذلك في أوائل المبحث فراجعه إن شئت .